مرض السكري.. يُسبب الضعف الجنسي!

داء السكري هو اضطراب عضوي يتمثل في اختلال نسبة السكر في الدم وهو ناتج عن نقص إفراز الأنسولين من البنكرياس أو عدم استجابة الخلايا للأنسولين الموجود في الجسم. ويصاب الإنسان بنوعين من السكري أحدهما يكون معتمدًا على الأنسولين في علاجه (النوع الأول) والآخر غير معتمد على الأنسولين (النوع الثاني). وتشير آخر الإحصاءات الطبية إلى أن نسبة الإصابة بداء السكري تتزايد بصورة مطردة سنة تلو الأخرى، وأن الإصابة بمضاعفات هذا المرض باتت مبكرة عما كان مألوفا قبل عقد أو اثنين من الزمن. وفي المملكة تبلغ نسبة انتشار هذا المرض نحو 25 في المئة بعد سن الثلاثين من العمر. وترجع الأسباب في ذلك إلى النمط الحياتي السلبي الذي أصبح عليه الفرد في المملكة بالإضافة إلى العوامل الوراثية. كما تشير العديد من الدراسات إلى ارتفاع نسبة المصابين بالضعف الجنسي نتيجة مرض السكري، وأن الإصابة بالضعف الجنسي تحدث نحو 10 – 15 سنة مبكرا عن باقي المرضى، كما أن تقدم العمر وطول مدة الإصابة بالسكري تزيد من احتمالية الإصابة بالضعف الجنسي وعلى هذا تشير بعض التقارير أن نسبة الإصابة بالضعف الجنسي في مرضى السكري في الأعمار فوق 55 عاماً هي 70% وتصل الى 90% في الأعمار الأكثر من 70سنة.

ومثلما يؤثر داء السكري على مختلف أعضاء الجسم فإن السكري كذلك يعد من أهم الأمراض التي تسبب الضعف الجنسي لدى الرجال والنساء على حد سواء وان كان عند المرأة اقل وضوحا من الرجل وهذا بدوره قد يؤدي إلى ظهور مشكلات تؤرق الزوجين فيما يخص حياتهم الجنسية وبالتالي الاستقرار العاطفي والأسري.

وتتمثل معاناة الرجل المصاب بالسكري من الناحية الجنسية في ضعف القدرة الجنسية أوعدم القدرة على المحافظة علية للفترة المطلوبة لاتمام المعاشرة، كما قد يعاني المصاب من ضعف في الرغبة الجنسية وأحيانا اضطراب القذف. من ناحية أخرى تتمثل معاناة المرأة المصابة بالسكري من الناحية الجنسية في عدد من الأعراض مثل الشعور بالألم أثناء المعاشرة، وعدم الرغبة في إتمام العملية الجنسية بسبب الإصابة بالالتهابات التناسلية وتلف الأعصاب والأوعية الدموية وتأثير السكري عليها من الناحية النفسية.

ومما يزيد الأمر تعقيدا في حال مرضى داء السكري أن عددا كبيرا من المصابين بالضعف الجنسي لا يفصحون عن حالتهم للطبيب المعالج، مما يؤخر فرصة التشخيص والعلاج في مرحلة مبكرة.

لماذا يصاب مريض السكري بالضعف الجنسي؟

من أخطر مضاعفات السكري أنه يؤثر بشكل كبير على مختلف أجهزة الجسم ومن أهمها لدى الرجال تأثيره على الحياة الجنسية، وتوجد العديد من الأسباب لحدوث الوهن الجنسي عند مرضى السكري أولها ضعف الجسم بأكمله الذي يعد نتيجة طبيعية لهذا المرض، كما أن التهاب الأعصاب الطرفية الناتج عن مشكلات ضخ الدم في الشرايين للأعضاء من احد الأسباب الرئيسية لهذا الضعف والتي تحدث عادة مع تقدم وتطور المرض، بالإضافة الى التسرب الوريدي في الأوعية الدموية للعضو الذكري. ومن الأسباب الأخرى للضعف الجنسي عند هؤلاء المرضى انخفاض مستوى هرمون الذكورة وهو ما سنشرحه لاحقا، كما تعد سرعة القذف أيضا من المشكلات الجنسية المتعلقة بالإصابة بمرض السكري وبالتالي لا يشعر الزوجان بمتعة المعاشرة كاملة. من ناحية اخرى تشارك الحالة النفسية لدى المريض المصاب والإحباط الناتج عن المرض نفسه أو عن الفشل في العملية الجنسية في تفاقم مشكلة الضعف الجنسي الناتجة.

علاجات الضعف الجنسي الناتج من الإصابة بالسكري:

لاشك ان درهم وقاية خير من قنطار علاج وحتى لايصل الشخص الى هذه المرحلة عليه تفادي الأسباب المؤدية الى الإصابة بهذا الداء العضال ابتداء، لاسيما أن تلك الأسباب باتت معروفة لدى اقل الأشخاص اطلاعا، ومن اهمها: السمنة والتدخين وتناول الكحوليات وهي اسباب يستطيع الشخص العادي التحكم بها بالإرادة والإصرار.

ويعد العلاج التقليدي باستعمال أدوية معالجة ضعف القدرة من فئة مثبطات الفوسفودايستيريز 5 مثل الفياغرا والسيالس والليفيترا، والتي ادخلت للاستخدام الطبي تباعا بدءا من العام 1998من اكثر الوصفات شيوعا لدى الاطباء المعالجين وهي تؤخذ عند الرغبة في المعاشرة ولها أثر ايجابي في تحسين القدرة الجنسية للرجل المصاب بداء السكري. الا ان مايؤخذ على هذه الأدوية هو ارتباط العملية الجنسية لدى المريض بتوقيت تناول الحبة الدوائية والانتظار لبعض الوقت حتى يبدأ مفعولها والحرص على اتمام المعاشرة قبل انتهاء مفعول الدواء وهو شعور محبط لدى الزوجين خاصة من تقل اعمارهم عن الخمسين عاما حيث ان الغالبية العظمى منهم تريد التحرر من الأدوية وجعل العملية الجنسية لديهم تلقائية متى ماتوفرت الرغبة وتوفر الوقت والمكان المناسبين. يضاف الى ذلك أن تلك الأدوية تفقد مفعولها بعد فترة من الزمن إما بسبب تقدم داء السكري وتأثيره على أعضاء الشخص المصاب او بسبب تعود الجسم على تلك العقاقير.

ومن اخر العلاجات من فئة مثبطات الفوسفودايستيريز 5 المدخلة حديثا والمجاز عالميا ومحليا عقار سياليس 5 ملجم والذي يؤخذ بشكل يومي للرجال المصابين بالضعف الجنسي حيث اثبت فعالية مرتفعة نسبيا لدى جميع فئات الضعف الجنسي خاصة عند المصابين بداء السكري (محور حديثنا في هذه العيادة) وهو ماورد في العديد من الدراسات المحكمة ومنها الدراسة العالمية للعالم هاتزيكريستو والتي شملت حوالي 300 مريض من عدة دول مصابين بالسكري من النوع الثاني ويعانون من الضعف الجنسي (يصنف 43% منهم بضعف جنسي شديد)، وقد بينت الدراسة ان استخدام هذا الدواء لفترات طويلة وبشكل يومي ساهم في تحسين الأداء الجنسي لديهم مع معدل آثار جانبية منخفض مقارنة بالعلاجات التقليدية الأخرى. وكما ذكرت سابقا فإن انخفاض مستوى هرمون الذكورة (التيستوستيرون) لدى الغالبية من مرضى السكري احد عوامل الضعف الجنسي لدى هؤلاء الرجال كما انه أحد اسباب فقدان مفعول ادوية التخفيز الجنسي المذكورة اعلاه، لذلك فإن معالجة تدني هرمون الذكورة لدى مرضى السكري يُفيد في تحسين مستوى الأداء الجنسي لديهم.

وتظهر أعراض هذا التدني الهرموني في نقص أو زوال الرغبة في ممارسة العملية الجنسية وضعف قوة الانتصاب، والشعور السريع بالإجهاد والتعب، وانخفاض مستوى القوة العضلية والبدنية، إضافة إلى طيف واسع من اضطرابات المزاج والنوم.

تجدر الإشارة الى أن الرجال الذين يصابون بالنوع الثاني، الأكثر شيوعًا، من مرض السكري غالبًا ما يكون لديهم انخفاض في نسبة هرمون التيستوستيرون، ما يجعلهم عُرضة للإصابة باضطرابات الأداء الجنسي، ايضا فإن السمنة عامل يُسهم في ارتفاع احتمالات تدني نسبة هذا الهرمون الذكري لدى المصابين بالسكري، وتتضح أهمية هذه النقطة إذا علمنا أن غالبية إصابات السكري، في العالم، تنجم في الأصل عن زيادة الوزن.

ومن فوائد علاج انخفاض هرمون الذكورة اضافة الى تحسين القدرة الجنسية وتعزيز مفعول علاجات الضعف الجنسي المذكورة سابقا، فإنه يُسهم أيضاً في رفع مستوى استجابة واستفادة أنسجة الجسم وخلاياه من كميات الأنسولين ويساعد على التحكم بنسبة السكر في الدم، كما انه يساعد في تحسن فرص حماية القلب وشرايينه من الإصابة بالأمراض ذات الأثر البالغ على حياة الشخص السليمة، وهو ما يُضاف أيضًا إلى حقيقة طبية مفادها أن مشاكل اضطراب الأداء الجنسي من الأهمية الصحية الكبرى، ما يستدعي عدم الحرج من ذكرها ومتابعتها لدى الأطباء لأنها ربما تكون مرتبطة وبداية لأمور مرضية أخرى في الجسم من المهم التنبه إلى وجودها، وبالتالي معالجتها مع معالجة اضطراب الأداء الجنسي.

واذا لم تفد المعالجة الدوائية بالعقاقير التي تؤخذ عن طريق الفم في تحسين القدرة الجنسية لدى الرجل، يلجا حينها الطبيب المختص لوصف الإبر المحفزة التي تحقن داخل الأجسام الكهفية للعضو، ويكون غرس البدائل السيليكونية في الأجسام الكهفية عن طريق الجراحة الحل الأخير للرجل المصاب بالسكري والذي تستعصي معه خيارات العلاج السابقة.

اشير في الختام الى أن كثيرا من الرجال يلجأون إلى استخدام مستحضرات غير طبية في محاولة منهم للتغلب على هذه الحالة، ومن أكثر هذه المستحضرات شيوعا الأقراص المستوردة وكريمات التحفيز الجنسي وبعض الأعشاب غير المرخصة، وهذه بلا شك سلوكيات خاطئة، حيث إن بعضها قد يشكل خطورة على الصحة لما يسببه من آثار جانبية لاتحمد عقباها.

أ.د. صالح بن صالح

×