الضعف الجنسي.. هل من علاج فعّال؟

القدرة الجنسية عند الرجل عملية معقدة تشمل الجهاز الوعائي والعصبي وتعتمد على مواد بيوكيميائية تؤثر على مراكز الجنس في الدماغ والحبل الشوكي وأعصاب العضو التناسلي والأجسام الكهفية وتسهل مرور الدم بكمية كبيرة وضغط مرتفع في شرايين وجيوب العضو التناسلي مع عدم تسربه غير الطبيعي إلى الخارج أثناء القدرة الجنسية. وهذه الآلية الإقفالية على الأوردة التي تتم طبيعياً بضغط الجيوب الممتدة بالدم على الغلالة البيضاء التي تلفّ الأجسام الكهفية في العضو التناسلي والتي تؤدي لإقفال الأوردة الموجودة تحتها ومنع تسرب الدم أثناء القدرة الجنسية والتي بدورها تساعد على الحفاظ على القدرة الجنسية المكتملة، تعتمد على سلامة الجهاز العصبي والوعائي والهرموني ومرونة العضلات الملساء داخل العضو التناسلي وصلابة غلالته البيضاء.

ومن أبرز أسباب فشل الحصول على القدرة الجنسية صلب او المحافظة بعد الحصول عليه وفقدانه بسرعة عند الرجال خاصة في مرحلة الشباب، يُرجع إلى حدوث تسرب الدم عبر أوردة العضو التناسلي وهو مايعتبر من أصعب الحالات الجنسية للمعالجة لاسيما أن تلك الحالات لا تتجاوب عادة للمعالجات التقليدية المعروفة.

تحدث بعض حالات التسرب الوريدي نتيجة وجود وريد خلقي غير طبيعي منذ الولادة او تليف نسيجي والبعض الآخر يحدث نتيجة الإصابة بمرض السكري أو نقص في هرمونات الذكورة. كما ان الإصابة بالتوتر الشديد تعد من أشهر الأسباب النفسية للتسرب حيث تؤدي إلى نشاط الجهاز العصبي السمبثاوي وافراز مادة الأدرينالين التي تؤدي إلى تقلص الشرايين وانكماش الأنسجة ويؤثر على المراكز العصبية وتمدد الأجسام الكهفية في العضو، وكثيرا ما يكون سبب التسرب الوريدي غير معلوم.

العلاجات التقليدية للضعف الجنسي:

حاول الخبراء علاج مثل هذه الحالة باستعمال عدة وسائل لمساعدة المرضى في الحصول على القدرة الجنسية والمحافظة عليه لمدة كافية لإتمام المعاشرة بنجاح مثل استخدام المنشطات الجنسية من نوع مثبطات فوسفودايستيريز فئة 5، مثل الفياغرا والسياليس واللفيترا أو حقن الموسعات داخل العضو التناسلي أو استعمال المخيلة الراشفة للهواء حول العضو (المضخة) مع وضع حلقة بلاستيكية على قاعدته تمنع نزوح الدم خارجه أثناء القدرة الجنسية أو وضع تلك الحلقة بدون المخيلة قبل المباشرة بالمعاشرة أو استخدام غرزات الألبروستاديل في الإحليل. ومع النتائج المقبولة لهذه المعالجات الا ان مفعول اكثرها يكون لفترة محدودة فضلا عن عدم الاستجابة من البدء.

التدخل الجراحي:

قد تستدعي الكثير من تلك الحالات إجراء عملية جراحية لغرز البدائل أو العصيات السيليكونية داخل الأجسام الكهفية لمساعدة هؤلاء الرجال في استرجاع الطاقة الجنسية المفقودة، الا ان تلك العمليات تعتبر وسيلة نهائية لايمكن التعويض عنها في حالة فشلها حيث يترتب عليها اتلاف الأنسجة الكهفية في العضو، وقد تترافق مع بعض المضاعفات الخطيرة بسبب العملية الجراحية او التخدير واحتمال حصول التهاب أو عطل ميكانيكي في البدائل تستدعي نزعها واستبدالها لاحقاً. ورغم نجاح تلك الوسيلة الذي يتجاوز حوالي 90% من تلك الحالات إلا أنها لا تستعمل عادة إلا بعد فشل كل الوسائل الدوائية خصوصاً عند الشباب.

كما اعتمد الخبراء في الماضي القيام بربط الأوردة المسربة للدم جراحيا كما تظهرها الأشعة بالصبغة، أو إجراء عملية جراحية مجهرية لربط الوريد السطحي الرئيسي وإجراء تفاغر بين الشريان الشرسوفي السطحي وشريان أو وريد العضو التناسلي لزيادة جريان الدم داخله والتعويض عن تسرب الدم خارجه. ولكن معظم هذه السبل الجراحية باءت بالفشل في معظم الحالات، اذ انه وللأسف بينما كانت النتائج الأولية مشجعة وعالية النجاح إلا أنها تنخفض تدريجياً مع مرور الزمن مع نكس الأعراض الجنسية وظهور أوردة مسربة جديدة مما دفع معظم المختصين بهذا المجال إلى التوقف عن القيام بتك الجراحة في الوقت الحاضر الافي اضيق الحدود وبعد اختيار المريض بعناية، لاسيما أن الأبحاث الحديثة أبرزت أن السبب الرئيسي لتسرب الدم يعود إلى آفات في أنسجة الأجسام الكهفية العضلية مما يفسر أسباب فشل الجراحة المتبعة سابقاً بربط الأوردة المسربة للدم.

الأبحاث الطبية:

قام فريق من الاخصائيين تحت قيادة الدكتور أقسم ياسين في بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة باختبار معالجة تلك الحالات بهرمون الذكورة على 12 مريضاً يشكون من العجر الجنسي الناتج عن خلل الآلية الإقفالية للأوردة القضيبية مع تسرب الدم أثناء القدرة الجنسية كما يعانون من نقص هرمون الذكورة في الدم حسب التحاليل المخبرية، كما أن هؤلاء المرضى لم يتجاوبوا للمعالجة بالمنشطات الجنسية وغيرها. وقد عولج هؤلاء الرجال بحقن عضلية لهرمون التيستوستيرون انداكانواوات الطويل المفعول (NEBIDO) وذلك بحقنة كل 6 أسابيع ومن بعدها كل 3 أشهر. وقد أبدى خمسة رجال من أصل 12 (40%) تحسناً ملحوظاً في الطاقة الجنسية مع غياب الأوردة المسربة للدم في الأشعة المتتابعة بعد العلاج. وتم تأكيد نتائج هذه الدراسة بدراسة اخرى من روسيا اظهرت تحسنا ملحوظا في الأداء الجنسي عند حوالي (70%) من المصابين بعد العلاج. ومن المعروف ان لهرمون الذكورة أو التيستوستيرون تأثيرا مباشرا على الطاقة الجنسية عند الرجال ليس بالنسبة إلى زيادة الرغبة الجنسية فحسب كما هو المعتقد السائد، بل أيضاً بالنسبة إلى ملاءمة الأنسجة الكهفية والمحافظة على وظيفتها الطبيعية كما أظهرته عدة اختبارات أبرزت أيضاً تخاذلاً في الآلية الإقفالية الوريدية في حال نقصه، لاسيما أن ذلك قد يسبب تليف الأنسجة وآفات في العضلات الملساء والخلايا البطانية للشريان والجيوب داخل العضو التناسلي. وقد أظهرت بعض الأبحاث أن معالجة بعض المرضى الذين يعانون من الضعف الجنسي نتيجة داء السكري مع نقص هرمون الذكورة بالهرمونات الذكرية وعامل نمو الخلايا البطانية الوعائية VEGF قد ساعد الكثير منهم على استعادة القدرة على تحقيق القدرة الجنسية. ولكن معظم الاختبارات التي تمت في السابق كانت على الحيوانات المخبرية، وأكدت أهمية هرمون الذكورة في المحافظة على سلامة الأنسجة القضيبية ووظيفتها الاستقلابية ولكن لم توجد أبحاث مماثلة على الأشخاص الذين يعانون من تلك الاضطرابات الجنسية خصوصاً بالنسبة إلى تأثير التيستوستيرون على الآلية الإقفالية الوريدية في العضو التناسلي. وهذا مايؤكد أهمية الدراسات المذكورة اعلاه التي حاولت إثبات هذا الترابط والتي أظهرت تحسناً ملحوظاً عند حوالي 40-70% من الرجال الذين يشكون من عدم القدرة على تحقيق القدرة الجنسية والمحافظة عليه نتيجة التسرب الوريدي مع اصابتهم بنقص معدل هرمون الذكورة اذا ما عولجوا بالحقن العضلية الذكرية الطويلة المفعول (NEBIDO) مع شفائهم بعون الله عز وجل من تخاذل الآلية الإقفالية للأوردة بعد المعالجة الهرمونية. وقد اعتبر هؤلاء الباحثون أن تحسين القدرة الجنسية عند هؤلاء الرجال يعود إلى تغيير بنية الأنسجة بواسطة الهرمون الذكري كما أن من المحتمل أن لهرمون الذكورة تأثير على المراكز الخلوية والجزيئية في الأجسام الكهفية واستقلابها وعلى وظيفة الأعصاب داخلها فضلا عن الهرمونات الذكرية تؤثر أيضاً على استجابة العصب الكهفي والعضلات الملساء والمزايا الليفية المرنة للأنسجة الكهفية.

إن هذه الاختبارات التي قد تفتح آفاقاً جديدة لتفسير التخاذل الإقفالي الوريدي مع نقص معدل هرمون الذكورة وقد تساعد في معالجة تلك الحالات الصعبة خصوصاً في حال فشل كل الوسائل العلاجية الأخرى لكن يجب ان يؤخذ في عين الاعتبار الاثار الجانبية غير المرغوبة لاستعمال الهرمونات الذكرية خاصة اذا دعت الحاجة لاستخدامها لفترات طويلة ومن اهمها ضعف القدرة الانجابية خاصة عند الشباب او اضطرابات البروستات عند كبار السن، وهذا يؤكد اهمية مراجعة الطبيب المختص لتقييم كل حالة على حدة وشرح المزايا والمشاكل المحتملة قبل البدء في المعالجة.

أ.د. صالح بن صالح

error:
×