البيلة الدموية لدى الأطفال.. معظم الحالات غير مؤذية!

تعد البيلة الدموية من اكثر المظاهر السريرية شيوعا والتي تبث الخوف والقلق لدى الاهل واحيانا الطفل وتدفعهم لمراجعة الطبيب على الفور، كما انها ايضا تشكل تحد كبير للطبيب المعالج من ناحية التشخيص الصحيح وتطمين الاهل.

وتتعدد اوجه البيلة الدموية لدى الاطفال فقد تكون على شكل بول دموي ظاهر (معاين) وهو مايلفت نظر الاهل او الطفل المدرك او قد تكون على شكل بقع حمراء على الملابس الداخلية او الحفاظ تكتشف عند الغيار كما قد تكون مجهرية ولاتكتشف الا عند اجراء تحليل للبول لسبب ما او لآخر.

وعند الحديث عن البقع الحمراء المشاهدة في الملابس الداخلية للطفل يجب التأكد من مصدرها والذي قد يكون من البول (البيلة الدموية) او مجرى البول (من الاحليل بدون ان تكون مخلوطة مع البول) او قد يكون مصدرها خارج الجهاز البولي مثل جرح سطحي في الجلد او تسربات من الجهاز الهضمي.

ورغم أن معظم المختصين في جراحة المسالك البولية عند الاطفال يعتبرون البيلة الدموية عند الاطفال غير مؤذية كونها لا تمثل أية آفة خطيرة في الجهاز البولي وانها قد تختفي تلقائياً بدون علاج بعد بضعة أشهر، الاانها وفي احيان نادرة قد تكون عرضا لمشكلة صحية كبيرة تهدد صحة الطفل، وهنا تكمن اهمية التوجه للطبيب المختص في الجهاز البولي لتفادي اجراء الكثير من التحاليل والاشعة وغيرها من الاجراءات الطبية التي لا حاجة لها والتي قد تكون اخطر من المرض نفسه فضلا عن ازعاجها وتكاليفها الباهظة. فالتشخيص الأمثل يجب ان يتركز على أقل عدد من التحاليل للتحري عن سبب البيلة الدموية وكشف مصدرها ليتسنى للطبيب المعالج ان يعيد طمأنينة الأهل ويوجه العلاج المناسب إلى السبب نفسه.

وقبل الحديث عن هذا الموضوع اود ان الفت عناية الاخوة والاخوات متابعي هذه العيادة ان المقصود بالتشخيص والعلاج هنا هم فئة الاطفال وليس البالغين والذين سبق الحديث عن البيلة الدموية لديهم في عيادة سابقة يمكن الرجوع اليها لزيادة الايضاح. كما تجدر الاشارة الى انه عندما يكون لون البول احمر فذلك لا يعني دائما وجود دم فيه وهو ما اشرنا اليه في عيادة سابقة لأن هنالك بعض المأكولات والعقاقير والحالات الطبية الأخرى التي قد تغير لون البول إلى الأحمر ولا تعني وجود بيلة دموية ومن هذه المأكولات البنجر والشمندر وثمر العليق والفلفل الحلو والرواند وهو عشب من الفصيلة البطاطية والمواد الملونة للأطعمة مثل “الرودامين”. كما قد يتغير لون البول للاحمر بسبب بعض الأدوية مثل بعض المضادات الحيوية ومنها مستحضرات السلفا Sulfa”” وعقار النيتروفيورانتوين” Nitrofurantoin” والملين الذي يحتوي على “فنول فثالئين” ومخدر المثانة “فينازوبيريدين أو “البايريديوم”. واما بالنسبة إلى الحالات الطبية التي قد تغير لون البول إلى الاحمر بدون وجود أي دم فيه فأهمها افراز كمية عالية من “اليورات” والتسمم بمادة الرصاص والتهاب البول بجرثومة “سيراتيا”.

كشف مصدر البيلة الدموية:

ان اخذ بعض المعلومات من أهل المريض وفحص الطفل سريريا بشكل كامل واجراء تحليل مجهري ومزرعة للبول يشكلون الركائز الاساسية للتشخيص.

اما مصدر البيلة الدموية لدى الأطفال فيمكن تضيفه إلى ثلاث فئات رئيسية: أولها الأمراض التي تصيب انسجة الكلية، وثانيها تشوهات وآفات الجهاز البولي والتناسلي، وثالثها الحالات الطبية المجموعية التي تشمل أمراض الدم. وأغلبية الحالات تقع في الفئة الأولى التي تشمل التهاب كبيبيات الكلى والاعتلال الكلوي المناعي اللذين يظهران بعد حوالي يوم الى اسبوع من الاصابة بالتهاب حاد في اللوزتين أو الحلق مع أعراض مصاحبة كالبيلة الدموية والبيلة البروتينية وارتفاع الضغط الدموي وحصول ودمة عامة في الجسم وعند تحليل البول تظهر اسطوانات دموية تحت المجهر. ومما يساعد على تشخيص هذه الحالة بسرعة وبأقل عناء كشف كرويات حمراء مشوهة في البول نتيجة مرورها عبر الغشاء القاعدي لكبيبات الكلية، وذلك يشير إلى تشخيص الالتهاب المناعي الحاد لتلك الكبيبات. ومن الأسباب الأخرى لحصول البيلة الدموية في الفئة الأولى اصابات (رضح) الكلية أو القيام بالرياضة المتواصلة والعنيفة والالتهاب الكلوي والأمراض الكلوية الوراثية التي تشمل الحصيات والتكيسات وزيادة تركيز الكالسيوم في البول. ولتأكيد تشخيص سبب الدم في البول يجري الطبيب تحاليل على الدم التي قد تشير إلى تشخيص التهاب الكبيبات الحاد واشعة صوتية للكلى والمسالك البولية والمثانة ليستثنى وجود تشوهات أو آفات أخرى.

واما الفئة الثانية فهي تتضمن عدة أمراض كالتهاب المثانة والاحليل وسرطان الكلية (Wilms Tumor) وانسداد حوض الكلية والحالب والصمام الاحليلي وضيق والتهاب الاحليل البولي وحصيات الكلية والحالب والمثانة وارتجاع البول من المثانة إلى الكلية وغيرها. ومن الحالات الشائعة عند الأطفال والمراهقين حصول بيلة دموية في آخر التبول مع حرقان في البول أحيانا وبقع دموية على الثوب أوالسروال الداخلي، ويتم تشخيصها عادة باجراء تحليل مجهري ومزرعة للبول والتي تكون عادة سلبية وينصح بعض الاخصائيين باستعمال الاشعة الصوتية على الكلى والمثانة للتأكيد عن عدم وجود آفات أو تشوهات فيها. ويجمع الخبراء حول عدم ضرورة اجراء تنظير للمثانة أو فحوصات أخرى لتشخيص هذه الحالة الحميدة التي تظهر عادة في أيام الربيع والخريف وتمثل التهابا غير جرثوميا في الاحليل وقد تستمر لعدة شهور واحيانا سنوات بدون ان تشكل أي خطر على المريض وتختفي تلقائيا بدون أي علاج.

واما الفئة الثالثة فهي تشمل الاضطرابات النزفية وابيضاض الدم وتشوهات الصفيحات الدموية وغيرها من الأمراض التي تسبب سيولة متزايدة في الدم. وتشخيص هذه الحالات يتم بتحاليل الدم المتقدمة ويحال هؤلاء المرضى إلى اخصائيي أمراض الدم للأطفال.

معالجة البيلة الدموية لدى الأطفال:

المعالجة تتم حسب السبب وفي اكثر الحالات لا داعي لأي علاج بل المتابعة الدورية واجراء تحاليل البول خصوصاً في حالة التهاب الأحليل الابكتيري أوالبيلة الدموية الوراثية الحميدة وبعض حالات التهاب كبيبيات الكلية الحاد. ومن المهم استشارة طبيب الكلى والجهاز البولي للاطفال لتشخيص ومعالجة امراض الفئة الأولى واما في الفئة الثانية مع ندرتها بفضل الله فقد تحتاج بعض هذه الحالات كأورام الكلية والمثانة إلى استئصال جراحي كامل لتلك الأعضاء مع علاج كيميائي او اشعاعي أو تصحيح الانسداد في القنوات البولية أو معالجة الحصيات طبيا أو جراحيا، ومعالجة الالتهابات البولية الجرثومية بالمضادات الحيوية. واما الاطفال الذين ينتمون الى الفئة الثالثة فيجب تحويلهم إلى طبيب الاطفال المختص في امراض الدم لتثبيت التشخيص والمعالجة.

أ.د. صالح بن صالح

error:
×