البوتوكس.... مادة سامة وفعالة لاضطرابات المثانة البولية !

كثر الحديث في اللآونة الأخيرة عن حقن البوتوكس وتوسع مجال استخدامها طبياً بعد ان كان محصوراً على النواحي التجميلية عند النساء، ولقد تلقت هذه العيادة الصحفية الكثير من الأسئلة من الرجال والنساء والمتعلقة باستخدامات البوتوكس ونواحي الأمان فيها خاصة فيما يتعلق بمجالات السلس البولي. وأود هنا ان اعرض للأخوة والأخوات حالة احدى السيدات الفاضلات والتي تمت مباشرة حالتها لتتضح الصورة بشكل جلي: فهي امرأة في العقد الثالث من العمر مصابة بمرض التصلب المتعدد، وكانت تشتكي لمدة 10 سنوات تقريباً من أعراض بولية مزعجة تتمثل بالالحاح لتفريغ المثانة بسرعة والتكرار البولي نهاراً وليلاً مع صعوبة وتقطيع في التبول والتهابات بولية متكررة. استشارت العديد من الاخصائيين واجريت لها التحاليل البولية والاشعاعية وفحص ديناميكي إلكتروني للمثانة والصمام الذي اظهر وجود زيادة في نشاط المثانة مع فقدان التناسق بينها وبين الصمام الخارجي للاحليل الذي يغلق بدل الارتخاء اثناء التبول. وقد عولجت بعدة عقاقير أبرزها محصرات الفا واحد للجهاز الودي ومرخيات العضلات الملساء والهيكلية وأوصيت بتقليل شرب السوائل خصوصاً قبل النوم ولكن بدون أي تحسن ملحوظ لأعراضها البولية المؤثرة سلبياً وبشدة على جودة حياتها. ومع رفض تلك المريضة القيام بقسطرة المثانة عدة مرات يومياً لافراغها دورياً من البول زادت حالتها المرضية وعزلتها الاجتماعية، الى ان وصل بها المطاف وبعد الاستشارة الطبية الى التوصية بحقن البوتوكس في صمام الاحليل الخارجي تحت تخدير موضعي وبدون الحاجة الى الاستشفاء فتحسنت حالتها تحسناً كبيراً وزالت معظم اعراضها البولية وذلك في غضون شهر بعد الحقن الا ان تلك الاعراض ما لبثت ان عاودتها بعد حوالي 6 اشهر مما استدعى اجراء حقن اضافي للبوتوكس في الصمام مع تحسن ملحوظ لاعراضها البولية استمر لمدة 9 اشهر تقريباً وبدون حدوث أية مضاعفات جانبية او سلس بولي.

تمثل تلك الحالة احدى حالات تطبيق البوتوكس ((Botox لبعض امراض الجهاز البولي المستعصية التي لا تتجاوب مع المعالجات التقليدية، مع الاشارة ان استعماله في تلك الحالات لم يحظ بعد على موافقة مركز الغذاء والادوية الفيدرالي الأمريكي (FDA) الا في حالات المثانة العصبية او الإلحاحية، كما انه قد يترابط مع بعض المضاعفات الجانبية التي تجب مناقشتها مع المريض او المريضة قبل تطبيق تلك المعالجة. والبوتوكس الذي يعتبر من اشد المواد السامة قد استعمل منذ سنة 1980م لمعالجة بعض الامراض العصبية كتشنج الجفن والحول وخلل التوتر المحصور والتشنجات العضلية وفرط التعرق في الابط والارتخائية وفي عمليات التجميل وكان اول من اكتشفه الدكتور Van Ermengem فان ارمنغام سنة 1897م. وحدد آليته الفيزيولوجية في كبح افراز مادة استيل كولين في الموصل الشبكي الكوليني الفعل مما يخفض تقلصات العضلات التي تزودها تلك المادة وقد تؤدي الى ضمورها.

وفي مجال المسالك البولية كنا قد ناقشنا سابقاً في قسم العيادة الطبية في جريدة «الرياض» النتائج الاولية لاستعمال البوتوكس في بعض حالات المثانة العصبية او المفرطة النشاط ومنذ اكتشاف هذه المادة نشرت عدة ابحاث حول تطبيقات طبية اضافية لها في حالات مرضية بولية مقاومة للعلاجات التقليدية التي سنحاول عرض أبرزها على قرائنا الاعزاء.

ففي عام 2000م نجح فريق طبي ترأسه الدكتور “شرش” في معالجة حالات المثانة العصبية نتيجة قطع النخاع الشوكي بحقن حوالي 300 وحدة من البوتوكس في عضلات المثانة تبعتها عدة اختبارات ناجحة خصوصاً في اوروبا باستعمال تلك الوسيلة المبتكرة في حالات مماثلة مقاومة للعلاج الدوائي والتي شملت اعراضاً بولية منغصة ابرزها الالحاح في التبول بسرعة والتكرار البولي ليلاً ونهاراً مع حدوث السلس البولي في بعض تلك الحالات. وقد طرحت نتائج دراسة قام بها فريق بلجيكي بقيادة الدكتورة كبان على 15 امرأة يشكين من توتر عصبي شديد في المثانة لم يتجاوب للعلاجات الدوائية والطبيعية والتعديل العصبي بواسطة اشرطة موصولة لاعصاب المثانة التي تنشأ من النخاع الشوكي العجزي والذي تمثل بالحاح بولي شديد لتفريغ المثانة بسرعة مع حصول سلس وتكرار التبول نهاراً وليلاً وذلك لمدة حوالي 6 سنوات وقد تم حقن عضلات مثاناتهن بالبوتوكس فئة أ بمعدل 250 وحدة لكل عملية التي تمت تحت تخدير عام او نصفي. فبعد حوالي 6 اسابيع من المعالجة انقطع السلس البولي تماماً عند 33٪ من تلك الحالات وتحسنت الاعراض البولية بنسبة عالية عند حوالي 70٪ منهن وأبدت حوالي 73٪ من تلك النساء رضاهن العالي من هذا العلاج لا سيما ان سعة المثانة قبل حدوث التبول الالحاحي زادت من حوالي 98 ميليليترا الى حوالي 340 ميليلترا بعد ستة اسابيع وحوالي 244 ميليليترا بعد 6 اشهر من القيام بتلك المعالجة. وابرزت دراسة اخرى بريطانية فعالية المعالجة بالبوتوكس في حالات فرط نشاط المثانة بدون أي سبب عصبي او عضوي واظهرت تحسناً كبيراً في الاعراض البولية الالحاحية والسلس البولي مع زيادة سعة المثانة بعد حوالي شهر الى 3 اشهر من بدء العلاج. وأكدت دراسة من جامعة بيتسبورغ في الولايات المتحدة تلك النتائج على 36 مريضاً مصابين بفرط نشاط المثانة والاحتباس البولي بدون حصول اية مضاعفات جانبية وخصوصاً احتباس البول عند الرجال الذين تجاوزوا 65 سنة من العمر. وقد اثبتت دراستان ايطالية وفرنسية فعالية البوتوكس لتحسين الاعراض البولية ووضع حد لآلام المثانة المستعصية والمقاومة لشتى المعالجات الدوائية.

ومع النجاح المرموق الذي ظهر باستعمال البوتوكس في تلك الحالات المستعصية منذ 1980م بالنسبة الى وضع حد للالحاح والتكرار في تفريغ المثانة بسرعة والسلس البولي وآلام المثانة التي لم تتجاوب مع المعالجة التقليدية، امتد تطبيق هذا العلاج الى حالات بولية اخرى تتميز بالصعوبة في تفريغ المثانة والاحتباس البولي او الاعراض البولية الالحاحية مع السلس البولي في بعض تلك الحالات نتيجة قطع النخاع الشوكي والتصلب المتعدد والفالج والاحتباس البولي المجهول السبب وتقلصات عضلات الحوض والتهاب المثانة الخلالي وتضخم البروستات الحميد وضيق الاحليل. ففي دراسة من جامعة بيتسبورغ في الولايات المتحدة تحت قيادة الدكتور سملدون على 110 مرضى – منهم 75 امرأة – تتراوح أعمارهم بين 18 و82 سنة مصابين بأعراض المثانة العصبية او الاحتباس البولي او الصعوبة في تفريغ المثانة لعدة اسباب ابرزها قطع النخاع الشوكي والفالج وتصلب الجهاز العصبي المتعدد والتهاب المثانة الخلالي وتشنجات عضلات الحوض وغيرها عولجوا جميعاً بحقن البوتوكس في المثانة للاعراض الالحاحية والسلس البولي او حقنه في الصمام الخارجي في حالات الصعوبة في التبول او احتباسه او زيادة كمية البول المتبقي بعد الانتهاء من التبول. وقد اظهرت النتائج تحسناً ملحوظاً في جميع الاعراض البولية السابقة وخصوصاً في نقص حجم البول المتبقي بعد التبول والضغط الاقصى في المثانة اثناء التبول وزيادة حجمها وتقليل نسبة التكرار البولي من معدل 15 الى حوالي 9 تبولات يومية مع تحسن ملحوظ لجودة الحياة. واما بالنسبة الى المضاعفات الجانبية فلم تتعد اكثر من 4 حالات من السلس البولي الاجهادي بعد حقن البوتوكس في الصمام ولم تحصل اية حالة احتباس بولي.

ان استعمال تلك الوسيلة المبتكرة رغم انها لاتزال في مرحلتها الأولية ولم تحظ على موافقة هيئة الغذاء والدواء الامريكي (FDA) الا مؤخراً عام 2011م للمثانة العصبية وعام 2013م للمثانة الإلحاحية، الا انها قد فتحت آفاقاً واسعة لمعالجة بعض الحالات المستعصية للمثانة العصبية او المفرطة النشاط وتقلص الصمام الخارجي غير المنسجم مع تقلصات المثانة وغيرها من الامراض البولية التي لا تتجاوب مع العلاجات التقليدية والتي تنغص حياة المصابين بها وتسبب لهم المشاكل العاطفية والعائلية والاجتماعية والمهنية وتحد من نشاطاتهم.

أ.د. صالح بن صالح

error:
×